القائمة الرئيسية

الصفحات

أهم العناوين

الصمدي يُحَذِّر من تعطيل القانون الإطار.. المدرسة الرائدة لا ترقى إلى مستوى نموذج إصلاحي شامل




انتقد خالد الصمدي كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي سابقا، مشروع “مدارس الريادة”، معتبراً أنه لا يرقى إلى مستوى نموذج إصلاحي شامل للمدرسة المغربية، بل يندرج في إطار معالجة ظرفية لاختلالات قائمة في تعلمات فئة محدودة من التلاميذ.

وأوضح الصمدي في حوار صحفي معه أن الهدف الأساسي من هذه التجربة يتمثل في استدراك تعثر التعلمات لدى التلاميذ ذوي المستوى الضعيف، خاصة في المواد الأساسية كـالرياضيات والفرنسية، ما يجعلها، بحسب تعبيره، “آلية علاجية” موجهة لفئات هشة لم تنل حظها الكافي من التعلم، بدل أن تكون تصوراً متكاملاً لمدرسة جديدة تستهدف مجموع التلاميذ، الذي يناهز عددهم 9 ملايين.

وسجل المتحدث ذاته أن اعتماد هذا النموذج أفرز اختلالات جديدة، من بينها تراجع أداء التلاميذ المتفوقين داخل هذه المدارس، منتقداً في الآن نفسه غياب تصور شمولي لإصلاح المنظومة التعليمية، رغم وجود مرجعيات مؤطرة لذلك، وعلى رأسها القانون الإطار والرؤية الاستراتيجية.

وأشار الصمدي إلى أن “مدارس الريادة” مستوحاة من تجربة هندية وُضعت أساساً لمعالجة صعوبات التعلم داخل بعض المؤسسات التعليمية، ومقارِناً إياها بتجربة “مدارس الفرصة الثانية” التي استهدفت الحد من الهدر المدرسي، معتبراً أن تعميم مثل هذه النماذج دون تكييف شامل قد لا يحقق النتائج المرجوة.

وفي سياق متصل، دعا المسؤول الحكومي السابق إلى استحضار خلاصات تقرير TALIS 2024، الذي كشف، بحسبه، عن مؤشرات مقلقة، أبرزها هيمنة المركزية في تدبير الشأن التربوي، حيث أصبحت الأكاديميات الجهوية، حسب قوله، تتلقى الموارد البيداغوجية بشكل مركزي، ما يحد من استقلالية الأساتذة ويقيد قدرتهم على الإبداع، رغم اختلاف السياقات المحلية بين المناطق.

واعتبر أن هذه الاختلالات تعكس غياب رؤية واضحة للمدرسة المغربية، مشدداً على أن النموذج التقليدي للتعليم يعيش أزمة حقيقية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وهو ما يستدعي، وفق تعبيره، مراجعة شاملة للمناهج وأدوات التعلم والزمن المدرسي، بما يواكب متطلبات العصر ويحد من مظاهر العنف والهدر المدرسي والتغيب.

وخلص الصمدي إلى أن الإطار القانوني والرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم بالمغرب متوفران، غير أن الاتجاه نحو استيراد نماذج خارجية، كـ”مدارس الريادة”، قد يطرح مخاطر حقيقية في حال فشلها، سواء على مستوى الزمن المدرسي أو من حيث كلفة الاستثمارات المالية المرصودة لهذا المشروع.

أكد الأكاديمي والتربوي، كاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي خالد الصمدي، على الأهمية البالغة للتقرير الموضوعاتي للدراسة الدولية للتعليم والتعلم "طاليس 2024"، الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

وأوضح الصمدي  أن هذا التقرير يأتي في محطة زمنية فاصلة بعد مرور ثماني سنوات على إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتكوين الأطر التربوية "مدرس المستقبل" عام 2018، والتي استهدفت تكوين 200 ألف مدرس ومدرسة في غضون عشر سنوات، مشيراً إلى أن المنظومة نجحت حتى الآن في ضخ حوالي 160 ألف مدرس جديد مروا عبر نظام تكويني يمتد لخمس سنوات (ثلاث سنوات للإجازة وسنتان للتكوين التطبيقي بالمراكز الجهوية).

وسجل الخبير التربوي وجود "اختلالات بيداغوجية" ناتجة عن ضعف التنسيق بين المدارس العليا للأساتذة وكليات علوم التربية التي تمنح الإجازة، وبين المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. وشدد الصمدي على أن المرجعية الأساسية للتقييم تظل هي الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار 51-17، منتقداً "تعطيل العديد من مقتضياته" خلال الولاية الحكومية الحالية، ومعتبراً أن استثمار نتائج التقرير في ورش مراجعة مضامين مسالك الإجازة يعد فرصة لتصحيح المسار قبل حلول الأفق الزمني للبرنامج عام 2028.

ونبه الصمدي إلى أن التقرير رصد تحولات كبرى في المنظومات التربوية العالمية تفرض مراجعة جذرية لكفايات "مدرس المستقبل"، خاصة في ظل بروز التعليم عن بعد والجامعات الافتراضية. وتوقع المتحدث حدوث تغيير شامل في بنية المدرسة التقليدية خلال السنوات العشر القادمة، مما يتطلب تكييف عُدة التكوين لتشمل الذكاء الاصطناعي والرقمنة، مع الانتقال من الكتاب المدرسي الورقي إلى الكتاب الرقمي التفاعلي الذي يدمج الوسائط المتعددة. واعتبر أن المدرس في كفايته الجديدة يجب أن يكون قادراً على التعامل مع هذه الديناميكية التقنية والإحصائية المتسارعة.

وفي سياق متصل، توقف الصمدي عند ما ورد في التقرير بخصوص 'الاستقلالية البيداغوجية' للمدرسين، مشيراً إلى أن تعزيز هوامش الإبداع والابتكار يمثل ركيزة أساسية في المنظومات التربوية الحديثة، بما يسمح بملاءمة أنماط التعلم مع الخصوصيات السوسيو-ثقافية والاقتصادية المتنوعة لمناطق المغرب. وأبدى المتحدث ملاحظات حول تجربة 'المدارس الرائدة'، معتبراً أن الاعتماد على عُدة بيداغوجية جاهزة تُرسل من المركز قد يجعل دور المدرس مقتصرًا على الجانب التنفيذي، مما قد يضع هذه التجربة أمام تحديات في بلوغ أهدافها المنشودة جراء محدودية هامش استقلالية المدرس، وهو ما يستدعي من الوزارة الوصية قراءة هذه الإشارات بتمعن لإعادة النظر في النموذج البيداغوجي المعتمد بما يضمن فاعلية أكبر.

كما توقف الصمدي عند تشخيص التقرير لوضعية المدرسين خارج المؤسسة، حيث رصد اضطراباً في الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأطر التربوية، خاصة مع تباين تكاليف المعيشة بين المدن الكبرى كالدار البيضاء والمدن الصغرى. ولفت الصمدي الانتباه إلى عدم تفعيل المقتضيات المتعلقة بالتعويض عن العمل في المناطق النائية حتى الآن، مما يؤثر سلباً على استقرار ووضعية الأساتذة العاملين في تلك المناطق. وطرح الخبير رؤية مستقبلية تقترح فتح مسارات أكاديمية (ماستر ودكتوراه) لخريجي التربية لتأهيل أطر التكوين، وتوسيع مجالات تشغيلهم لتشمل قطاعات الشباب والرياضة، والثقافة، والعدل (الوساطة الأسرية)، وقطاع المرأة والأسرة والطفولة المعني بذوي الاحتياجات الخاصة.

واختتم خالد الصمدي تصريحه بدعوة رئيس الحكومة إلى عقد اجتماع عاجل للجنة الوطنية لتتبع الإصلاح، والتي لم تنعقد منذ بداية الولاية الحالية، وذلك لتقديم عرض مفصل حول مخرجات تقرير "طاليس 2024" ورسم استراتيجية متجددة لتكوين الأطر التربوية، تضمن جودة التربية والتكوين وتستجيب للتحولات المستقبلية للمدرسة المغربية.

تعليقات