لم يعد الحديث عن الوضعية المادية للموظف العمومي مجرد نقاش اقتصادي جاف بالأرقام والنسب؛ بل تحول إلى دراما اجتماعية يومية يعيش فصولها ملايين المغاربة. إن معادلة "الأجر مقابل العيش" في المغرب أصبحت تعاني من خلل بنيوي واضح، تضع الموظف في وضعية لا يحسد عليها: عينٌ على راتب ثابت جامد، وعينٌ أخرى على سوق استهلاكية لا تكف عن الغليان والارتفاع.
رغم المجهودات الأخيرة الغير كافية التي بذلتها الحكومة في إطار جولات "الحوار الاجتماعي" (مثل رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع العام إلى 4500 درهم وتعديل شطور الضريبة على الدخل)، إلا أن هذه الزيادات سرعان ما تتبخر قبل أن تصِل إلى جيوب الموظفين.
إن الإشكال الأساسي لا يكمن في قيمة الأجرة، بل في قدرتها الشرائية الحقيقية. فالأجرة في المغرب اليوم أصبحت بمثابة "ممر عبور سريع"، تصل يوم 29 أو 30 من الشهر، لتتوزع في أقل من 48 ساعة على التزامات ثابتة لا مفر منها:
* الفواتير والواجبات: من كراء أو أقساط قروض السكن، وفواتير الماء والكهرباء والإنترنت.
* التعليم والتحصيل: الذي بات يستنزف قسطاً هائلاً من الميزانية العائلية في ظل تراجع جاذبية المدرسة العمومية والاضطرار للجوء إلى القطاع الخاص.
* الخدمات الصحية: التي ما زالت تشكل عبئاً ثقيلاً رغم ورش التغطية الصحية الإجبارية.
على الجانب الآخر من هذه المعادلة الغير متكافئة، يقف الموظف مواجهاً طفرات تضخمية غير مسبوقة مست أسعار المواد الغذائية الأساسية، الخضروات، المحروقات، والخدمات. هذا الغلاء جعل التدبير المالي للأسرة المغربية أشبه بـ "الهندسة المستحيلة".
وما يزيد الطين بلة هو الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي، المليء بالمناسبات الدورية التي تحولت من فترات للفرح إلى "كوابيس تمويلية":
خذ على سبيل المثال التزامن السنوي بين عطلة الصيف، الدخول المدرسي، ومناسبة عيد الأضحى. هذا التوالي السريع للأعياد والمواسم يجعل الموظف يعيش في حالة استدانة دائمة ؛ حيث يقترض ليسد رمق مناسبة ما، ليجد نفسه يقترض مجدداً لتسديد دين المناسبة التي تليها، في حلقة مفرغة لا تنتهي (أشبه بـ "بروليتاريا الوظيفة").
حتى بعض القرارات الحكومية المستعجلة، مثل تقديم صرف الأجور قبيل الأعياد والمناسبات لتسهيل الرواج الاقتصادي، يراها الكثير من الموظفين بمثابة "فخ مالي"؛ إذ تتركهم يواجهون شهراً طويلاً يمتد أحياناً لأكثر من 40 يوماً بدون أي سيولة.
إن هذا الضغط المستمر بين مطرقة الأجر وسندان المتطلبات لا يقف عند حدود الجيب، بل يمتد ليزحف على الاستقرار النفسي والأسري للموظف مما يساهم في انكماش الطبقة المتوسطة، هذه الطبقة التي تُعتبر صمام الأمان الثقافي والاقتصادي لأي مجتمع، بدأت تتآكل في المغرب، حيث انحدرت فئات واسعة منها لتلامس عتبة الهشاشة.
كل هذا يدخل الموظف في دوامة العيش تحت رحمة "الحسابات الضيقة" وهل سيكفي الراتب إلى نهاية الشهر أم لا؟ مما يخلق قلقاً مزمناً يؤثر على المردودية المهنية للموظف داخل الإدارة ويهدد السلم الأسري.
إن الاختباء وراء مبررات "الظرفية الدولية" أو التوازنات الماكرواقتصادية لم يعد مقنعاً للمواطن الذي يواجه قفف التبضع اليومية.
الموظف المغربي اليوم لا يطالب بالكماليات، بل يبحث عن "الكرامة المالية".
ولتحقيق ذلك، بات من الضروري الانتقال من سياسة "المسكنات" والزيادات الطفيفة التي يلتهمها التضخم فوراً، إلى مقاربات حيوية وجريئة تشمل:
المراقبة الصارمة للأسعار وضبط جشع المضاربين والوسطاء في الأسواق.
إصلاح ضريبي حقيقي يخفف العبء عن الأجراء الذين يساهمون بالحصة الأكبر في الضريبة على الدخل.
تجويد الخدمات العمومية (تعليم، صحة، نقل) لكي لا يضطر الموظف لدفع أجرته "مرتين": مرة كضرائب للدولة، ومرة كرسوم للقطاع الخاص لتأمين عيش كريم لأبنائه.
بدون هذه الإجراءات الهيكلية، سيظل الموظف المغربي ذلك "المحارب البائس" الذي يستنزف طاقته وصحته في معركة شهرية خاسرة مسبقاً، عنوانها الأبرز: *"كيف نصل إلى يوم 30 بسلام؟".*
بقلم الأستاذ : محمد كبيري

تعليقات
إرسال تعليق